الرئيسية / ثورة تونس / تونس.. حكومة مقاومة الفساد أم حكومة إدارة الفساد؟

تونس.. حكومة مقاومة الفساد أم حكومة إدارة الفساد؟

رغم أن تولّي السيد يوسف الشاهد رئاسة الحكومة، خلفا للسيد الحبيب الصيد، كان في إطار البنية السلطوية الجهوية- الزبونية المهيمنة على الحقل السياسي منذ الاستقلال الصوري عن فرنسا، ورغم أنه “تعيين” عبّر عن تغوّل مؤسسة رئاسة الجمهورية على المجلس النيابي، فإنّ رئيس الحكومة قد حاول أن يوجد لنفسه مساحة اتصالية؛ لا تتماهى بالضرورة مع الأولويات المعلنة للرئيس الباجي قائد السبسي.

منذ وصوله إلى قصر قرطاج، كان واضحا أنّ الأولوية المطلقة لرئيس الجمهورية كانت هي إعادة التوازن للمنظومة الحاكمة قبل الثورة، بل إعادة رموزها الحزبية والإدارية والمالية إلى مراكز القرار المختلفة. ولعلّ إصرار رئيس الجمهورية على تمرير قانون “المصالحة الاقتصادية”، (رغم مشاريع القوانين المعطلة من مثل مشروع قانون التصريح بالمكاسب، ومشروع قانون تضارب المصالح، ومشروع قانون تنظيم الاستبيانات، ورغم كل الاعتراضات القانونية والسياسية والمدنية الوطنية، بل الاعتراضات الدولية التي عبّر عنها رأي لجنة البندقية الاستشاري لسنة 2015) هو التجلي الأمثل لأولويات السلطة النيو- تجمعية في قصر قرطاج.

كان هذا القانون “سيء السمعة” الذي ارتبط باسم الرئاسة تعبيرا عن التوجّهات العامة للمنظومة الحاكمة في علاقتها باستحقاقات الثورة وبالدولة العميقة، بل كان تعبيرا عن فهم “البورقيبية الجديدة” التي يتزعّمها الباجي قائد السبسي لمعنى “استمرارية الدولة” و”فصل السلطات” و”احترام الدستور”. ومع ذلك، لم يجد السيد يوسف الشاهد (هو الذي ارتدّ بمنصب رئيس الوزراء إلى منصب وزير أول بالمعنى المعروف له في النظام الرئاسوي التونسي)؛ أيّ حرج في انتهاج سياسة قد تبدو في ظاهرها متعارضة مع التوجهات العامة للدولة بقيادة قصر قرطاج. كان محور تلك السياسة “الشاهدية” هو ملف “محاربة الفساد”، وهو ملف لم يزعم رئيس الجمهورية ذاته أنه من بين أولوياته.

منذ بداية “الحملة”، التي تتم بالتنسيق مع الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد برئاسة الأستاذ شوقي الطبيب، كان واضحا أنّ الدعوى/ الدعاية الحكومية أكبر من المحصول. فبالإضافة إلى”الانتقائية” و”التسييس” و”الإخلالات الشكلية” الغالبة على أغلب القضايا المحالة إلى القضاء، لم يكن خافيا أنّ حملة رئيس الحكومة لمكافحة الفساد ليست إلا حملة علاقات عامة لتخفيف الضغط على رئاسة الجمهورية، من جهة أولى، كما كانت من جهة ثانية في خدمة الأجندة السياسية الشخصية للسيد يوسف الشاهد؛ الذي لم ينكر أنه معنيّ بأمر الانتخابات الرئاسية القادمة، في حالة عدم ترشح الرئيس الحالي لها.

لبيان محدودية حملة مقاومة الفساد التي تدعيها الحكومة (بالتواطؤ مع الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد)، ولبيان طابعها الدعائي الشعبوي الموجه أساسا للاستهلاك الداخلي، يمكننا فقط أن نذكر الموقف الأوروبي من تونس في مسألة التهرب الضريبي وفي مسألتي”مخاطر” تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. فرغم أنّ الاتحاد الأوروبي قد سحب تونس من قائمة الدول التي يعدّها الاتحاد جنات للتهرب الضريبي، فإنه لم يلبث أن أدرج اسمها في القائمة السّوداء للدول ذات المخاطر العليا في تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

جاء القرار الأوروبي ليعكس فشلا سياسيا وديبلوماسيا واتصاليا تونسيا في جميع المستويات، وهو فشل كان من الضروري أن تجد الحكومة له “كبش فداء” لمنع أية محاسبة لصناع القرار الحقيقيين في قرطاج والقصبة. ولم يكن أمام الحكومة أفضل من محافظ البنك المركزي، السيد الشاذلي العياري، ليتحمل في شخصه مسؤولية فشل التوجهات السياسية والاقتصادية العامة لنظام كامل، ولذلك أقيل المحافظ عبر تفعيل رئيس الحكومة للمقترح الرئاسي بعزله، وتعيين السيد مروان العباسي خلفا له. أمّا في المستوى السياسي، فليس أفضل من “حركة النهضة” وحكومة الترويكا لتتحمل المسؤولية في كل الأزمات، ولو بأثر رجعي.

ففي المنطق المهيمن على “خبراء النظام” و”إعلامييه” و”معارضته الوظيفية”، يمكن التضحية بالأشخاص الذين قبلوا بالعمل مع النهضة، ولو كانوا من ميراث المنظومة الدستورية- التجمعية التي حكمت قبل الثورة، كما ينبغي شيطنة مرحلة الترويكا، وبالتحديد حركة النهضة، وتحميلها مسؤولية منظومة كاملة، وذلك لتخفيف الضغط على نداء تونس، بل لتخفيف الضغط على كل الفاعلين السياسيين والنقابيين والمدنيين الذين يتحملون بأقدار متفاوتة المسؤولية التاريخية عن الوضع الحالي.

بصرف النظر عن الدوافع الحقيقية التي تقف وراء الموقف العدائي للاتحاد الأوروبي من الانتقال الديمقراطي الهش في تونس، وبصرف النظر عن إمكانية وجود لوبي تونسي وراء القرارات الأخيرة قصد ضرب “التوافق” وخدمة أعدائه قبل الانتخابات البلدية القادمة، من المؤكد أنّ الحكومة التونسية لم تظهر أي إرادة حقيقية لمكافحة الفساد (في ملفات التهرب الضريبي وتبييض الأموال والتجارة الموازية والفساد الإداري والزبونية السياسية وغيرها)، حتى كاد الفساد يتحول إلى “سياسة دولة”، خاصة بعد تمرير قانون” المصالحة الإدارية” الذي أثبت الكثير من رجال القانون تعارضه مع مبادئ الدستور ذاته، فضلا عن تعارضه المؤكد مع العدالة الانتقالية الهادفة إلى تفكيك منظومة الفساد والاستبداد.

لو أردنا إنصاف السيد يوسف الشاهد، انطلاقا من الدور الموكل إليه من رئاسة الجمهورية وانطلاقا من موقعه الحقيقي (لا الدستوري) في منظومة الحكم، لقلنا إنّ حكومته قد نجحت فعلا في مكافحة الفساد المرتبط بالتحولات العميقة التي أوجدها الحدث الثوري، أي إنها قد نجحت في مأسسة الفساد وشرعنته والتطبيع معه؛ دفاعا عن حالة “سويّة” متخيلة، ولكنها هي في الحقيقة جوهر الفساد وعلّته الأولى.

فالبنية السلطوية التي أفرزت النخبة السياسية الحالية تفهم الفساد باعتباره كل تهديد قد يمس امتيازاتها الموروثة من عهد المخلوع بن علي، كما تعتبر أنّ من مظاهر الفساد وصول غير أصحاب “الدماء الزرقاء” إلى دفّة السلطة. ولذلك عملت المنظومة الحاكمة على إعادة التركيبة الجهوية القديمة للسلطة، مع تطعيمها”صوريا” ببعض الجهات والأحزاب الأخرى. ولا شك في أن السيد يوسف الشاهد الذي جاء إلى قصر القصبة بفضل نسبه “النبيل” وعلاقاته العائلية والجهوية المعلومة، هو آخر من يستطيع أن يُفكك منظومة الفساد التي صنعته (عبر التضامنات الجهوية- الزبونية وعبر العلاقات الخارجية المكرّسة للتبعية)، بل التي صنعت من قبله “رئيسه” السيد الباجي قائد السبسي؛ باعتباره إناء جديدا للخمر السلطوي القديم ذاته.

ختاما، فإن غياب البعد الاستشرافي أو الاستباقي في سياسات الحكومة داخليا وخارجيا، بالإضافة إلى غياب الإرادة السياسية الحقيقية لمكافحة الفساد، كل ذلك جعل من هذه الحكومة وما سبقها مجرد ملحقات إدارية بمنظومة الفساد، وهو ما يعني استحالة أن يأخذ المجتمع الدولي (خاصة الاتحاد الأروبي والبنك الدولي وصندوق النقد) على مأخذ الجد؛ كل تلك العنتريات والانتصارات الكلامية التي يروّج لها الإعلام، نقلا عن رئيس الحكومة وعن شريكه في محاربة “طواحين الهواء”، الأستاذ شوقي الطبيب، كما يعني استحالة أن تساهم هذه الحملة في تغيير النسق التنازلي للاقتصاد التونسي، بل لمجمل المسار الانتقالي في أبعاده الحقوقية والسياسية.

عادل بن عبد الله

عن ثورة الياسمين

شاهد أيضاً

مفاجأة: كل هؤلاء التونسيين ضد مشروع “هدم أحكام الإسلام في تونس”

كشف استطلاع للرأي قامت به إذاعة “موزاييك” أن اغلبية ساحقة من التونسيات والتونسيين تجاوزت 96% …