الرئيسية / القضية الفلسطينية / الحرب القادمة: لماذا تصاعدت حدة صراعات الغاز في شرق المتوسط؟

الحرب القادمة: لماذا تصاعدت حدة صراعات الغاز في شرق المتوسط؟

تسببت اكتشافات الغاز في منطقة شرق المتوسط في تصاعد حدة التوترات الإقليمية التي تُنذر باحتمالات حدوث مواجهات عسكرية بين الدول المطلة على المتوسط، حيث تسببت الصراعات على تقاسم مناطق الاستكشاف وترسيم الحدود ومسارات أنابيب التصدير والتنافس بين المراكز الإقليمية للطاقة في تغير خريطة التحالفات الإقليمية، وتصاعد التحفز العسكري بين مختلف الأطراف في المتوسط، وصعود حدة التهديدات الجيوسياسية في المنطقة، مما قد ينعكس سلبًا على عمليات الاستكشاف إذا ما تسببت التوترات في عرقلة أنشطة التنقيب والإنتاج أو إعاقة تأسيس مسارات للتصدير للقارة الأوروبية مستقبلًا.

مؤشرات التصعيد المتبادل:

تقدر هيئة المساحة الجيولوجية الأمريكية أن المنطقة البحرية من لبنان وقبرص إلى مصر قد تحتجز أكثر من 340 تريليون قدم مكعب من الغاز، إلا أن المخاطر الجيوسياسية والنزاعات الحدودية المتحكمة بالمنطقة أدت إلى نشوب صراع حاد حول حقول الغاز، ومن أبرز المؤشرات التي تدل على هذا الصراع ما يلي:

1- الطعن على الاتفاقيات: أعلنت تركيا أنها ستقدم طعنًا على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية المُوقَّعة بين مصر وقبرص في العام 2013، مدعية أنها غير قانونية، وتنتهك الجرف القاري التركي، زاعمة أنه لا يمكن لأي دولة أجنبية أو شركة أو حتى سفينة إجراء أبحاث والقيام بالتنقيب عن النفط والغاز في الجرف القاري التركي والمناطق المتداخلة معه، وهو ما رفضته مصر، مؤكدة أنه لا يمكن لأي طرف أن ينازع في قانونية الاتفاقية، خاصة أنها تتسق مع قواعد القانون الدولي، وقد تم إيداعها كاتفاقية دولية في الأمم المتحدة، وبالتالي تُعد الاتفاقية سارية وملزمة قانونيًّا. كما ترفض تركيا اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين قبرص وإسرائيل في عام 2010، وقد رأت أن هذه الاتفاقيات تتجاهل السيادة التركية على شمال الجزيرة.

2- التهديد بالتصعيد العسكري: حيث حذر الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” من المساس بالحقوق السيادية لتركيا على سواحل شمال جزيرة قبرص، مهددًا باستخدام القوة العسكرية، فقد صرح “أردوغان” في فبراير 2018 قائلًا: “نحذّر من يتجاوزون حدودهم في بحر إيجه وقبرص، ويقومون بحسابات خاطئة مستغلين تركيزنا على التطورات عند حدودنا الجنوبية.. حقوقنا في الدفاع عن الأمن القومي في منطقة عفرين شمال غربي سوريا هي نفسها في بحر إيجه وقبرص”. إذن فإن أنقرة ترى أن لها حقوقًا في حقول الغاز بمنطقتي 3 و6 الواقعة بينها وبين قبرص.

شكل (1): النزاع بين قبرص وتركيا

فيما تصاعد النزاع بين لبنان وإسرائيل بعد طرح بيروت مناقصة للتنقيب عن النفط والغاز في البلوك رقم 9، فقد دفعت هذه الخطوة “ليبرمان” للتصريح في فبراير 2018 بأن هذا الأمر استفزازي للغاية، ودعا الشركات الدولية إلى الامتناع عن المشاركة في هذه المناقصة، كما أعلن وزير الطاقة الإسرائيلي “يوفال شتاينتز” أن جزءًا من البلوك رقم 9 الذي تطرح لبنان امتيازات فيه للمناقصة تابع لإسرائيل، وتبلغ مساحة البلوك 9 ما يقدر بحوالي 83 ألف كلم مربع، وتقدر المساحة المتنازع عليها مع إسرائيل ما يقدر بحوالي 854 كلم مربع، وامتدت الاستفزازات الإسرائيلية إلى حد قيام البحرية الإسرائيلية بمنع أي سفن تنقيب عن الغاز من العمل في المياه الإقليمية اللبنانية.

وفي هذا السياق، هدد الأمين العام لحزب الله “حسن نصر الله”، قائلًا: “إذا قصفتونا سنهاجمكم، وإذا هاجمتونا سنهاجمكم، وإن منعتونا سنمنعكم.. إننا نأخذ في الاعتبار استجابة المقاومة، ولا أحد يستطيع أن يسلب لبنان حقوقه في البر والبحر”، كما صرح مجلس الدفاع الأعلى في لبنان في فبراير 2018 عقب اجتماع استثنائي له “أنه يمنح الغطاء السياسي للقوى العسكرية لمواجهة أي اعتداء إسرائيلي على الحدود في البر والبحر”.

وتتخوف إسرائيل من أن تقوم إيران بتزويد “حزب الله” بصواريخ تمكنه من الهجوم على إسرائيل، وهو ما اتضح في تصريح “نتنياهو” في مؤتمر ميونخ للأمن: “إذا أرادت إيران تزويد حزب الله بصواريخ فسوف يتم تغير ميزان القوى، وبالتالي سيكون الرد الإسرائيلي عنيفًا”.

شكل(2): النزاع على بلوك 9 بين إسرائيل ولبنان

3- إيقاف عمليات التنقيب: قامت السفن الحربية التركية في 9 فبراير 2018 بمنع السفينة سايبم 12000 التابعة لشركة إيني الإيطالية، من ممارسة أعمال الحفر والتنقيب في حقل “سوبيا” بالمنطقة رقم 3 التي تقع تحديدًا في جنوب شرقي الجزيرة القبرصية، حيث أبلغ العسكريون الأتراك طاقم السفينة بوقف الرحلة لأن المنطقة ستشهد مناورات عسكرية، وذلك في إطار استمرار حدة الخلاف بين تركيا وقبرص حول تقسيم مناطق النفوذ البحرية بينهما، وهو ما دفع الحكومة الإيطالية إلى اتخاذ إجراء احترازي لتأمين تنقيب شركاتها في المنطقة، حيث أمرت القوات البحرية بنقل وحدة عسكرية إلى شرقي البحر المتوسط.

وقد تلقى قائد هذه الوحدة بأوامر بعدم القيام بأي تصرفات من شأنها أن تؤدي إلى زيادة التوتر بينها وبين القوات التركية التي تحاصر السفينة، على أن تكون على استعداد لتقديم المساعدة اللازمة للسفينة سايبم بالتنسيق مع الفرقاطة اليونانية والإسبانية. وفي هذا الإطار، صرح “كلاوديو ديسكالزي” الرئيس التنفيذي لشركة إيني في 22 فبراير 2018، قائلًا: “إن من المرجح جدًّا أن يتم تحريك سفينة الحفر في الأيام المقبلة إلى موقع جديد، ربما يكون المغرب”.

لماذا الآن؟

على الرغم من أن أعمال التنقيب والحفر في هذه المنطقة قد تصاعدت منذ عام 2009، بيد أن النزاع حول هذه الحقول لم يحتدم بشكل واضح إلا خلال هذا العام، وهو ما يرجع إلى عدد من الأسباب التي يتمثل أهمها فيما يأتي:

1- اكتشافات حقول الغاز: تزايدت أنشطة التنقيب والحفر في منطقة شرق البحر المتوسط من قبل شركات الطاقة العالمية، وتشير تقديرات بعض هذه الشركات إلى أن هذه المنطقة تقوم على بحيرة من الغاز تكفي لسد حاجة الأسواق الأوروبية لمدة 30 عامًا، وهو ما تأكد بعد اكتشاف حقل “تمار” من قبل شركة نوبل إنرجي الأمريكية في عام 2009، ويخضع هذا الحقل لسيطرة الحكومة الإسرائيلية.

كما اكتشف في عام 2010 حقل “ليفاثان” الذي يقع على مسافة 135 كلم من شواطئ شمال مدينة حيفا بعمق 1600 متر تحت سطح البحر، بالإضافة إلى اكتشاف حقل “غزة مارين” بواسطة شركة بريتش غاز التابعة لشركة بريتش بتروليوم على مسافة 36 كلم من شواطئ قطاع غزة، بالإضافة إلى حقل غاز “أفردويت” على مسافة 180 كلم من الشاطئ الجنوبي الغربي لقبرص.

واكتشفت شركة “إيني” الإيطالية في عام 2015 حقل “ظهر” الذي يقع داخل المنطقة المصرية الاقتصادية في البحر المتوسط، ويبلغ حجم احتياطاته ثلاثين تريليون قدم مكعب، ويُعد أكبر اكتشاف للغاز الطبيعي في مصر والبحر المتوسط. ومؤخرًا اكتشفت “إيني” الإيطالية بالتعاون مع “توتال” الفرنسية حقل “كاليبسو” في المنطقة 6 المتنازع عليها بين قبرص وتركيا وذلك في فبراير 2018.

شكل (3): خريطة بأبرز الحقول في شرق المتوسط

وظهرت تحالفات عدة بين الشركات الدولية في هذه المنطقة، على رأسها الشركات الأمريكية: نوبل إنرجي، وإكس موبيل، والإيطالية إيني، والفرنسية توتال، والروسية نوفاتك. كما ضمت المنطقة أعمالًا نشطة لشركة بي بي البريطانية، لا سيما في مصر، والكورية الجنوبية كوجار في مياه قبرص، والإسرائيلية ديليك في حقل أفروديت وليفياثان، كما ستبدأ شركة تابعة للحكومة التركية في الحفر في المنطقة رقم 6.

2- الطموح التركي: تسعى تركيا إلى أن تتحول لمركز نقل للطاقة، وهو ما يتضح في قيامها ببناء وتطوير خطوط نقل الطاقة من روسيا وإيران وأذربيجان وقبرص وإسرائيل إلى أوروبا، ويأتي على رأس هذه المشروعات “السيل التركي” الذي يهدف لنقل الغاز من روسيا إلى أوروبا عبر تركيا، ويبدو أن تركيا باتت ترغب أيضًا في أن تتحول إلى مصدر للطاقة من خلال سيطرتها على الغاز الذي يحيط بالجزيرة القبرصية. وفي هذا السياق، بدأت تركيا في توسيع نفوذها في البحر الأحمر، خاصة بعد تحركها للحصول على امتياز بميناء سواكن، وذلك في إطار سعيها لمد وتوسيع نطاق نفوذها في نقل الطاقة بالشرق الأوسط.

3- صعود الدور المصري: تواجه الدول المنتجة للغاز في منطقة المتوسط صعوبات تتعلق بكيفية نقل الغاز المنتج إلى الأسواق العالمية، فعلى سبيل المثال قامت إسرائيل بالإعلان في أبريل 2017 عن إنشائها خط أنابيب بالبحر المتوسط لنقل الغاز الطبيعي إلى أوروبا، حيث يمتد لمسافة طويلة وصولًا إلى قبرص باليونان وربما إيطاليا بتكلفة تصل إلى ستة مليارات يورو، بيد أنه مكلف، وفي تقرير نشرته صحيفة “فايننشال تايمز” تحت عنوان “العداء الجيوسياسي يخيم على آفاق اكتشافات الغاز في المتوسط” تم طرح مسارات بديلة لنقل الغاز الإسرائيلي، حيث رأى التقرير أن الخيار الأقل تكلفة هو خط بين تركيا وإسرائيل، بيد أن هناك خلافات بين الدولتين، كما أن حالة العداء العربية الإسرائيلية تحول دون مد الأنبوب في المياه الإقليمية لكل من لبنان وسوريا.

في المقابل، لا تواجه مصر مثل هذه الصعوبات، حيث تمتلك محطتين للغاز الطبيعي المسال، ويمكن نقل الغاز المصري بسهولة إلى كل من أوروبا وآسيا عبر قناة السويس، وذلك بحسب التقرير، ويمكن لدول أخرى في منطقة شرق المتوسط أن تقوم بشحن غازها عبر الموانئ المصرية، ويبدو أن مصر تسعى لاستثمار هذه الفرصة بشكل جيد، حيث صرح “طارق الملا” وزير البترول والثروة المعدنية المصري في فبراير 2018 قائلًا: “نسعى لتحويل مصر إلى مركز إقليمي لتجارة وتداول الغاز والبترول يكون بمثابة مركز إقليمي استراتيجي للطاقة من خلال إنتاج هذه الطاقة من موارد مصر أو عبر استيرادها من الدول المجاورة لتلبية جانب من احتياجات السوق المحلى حال الاحتياج إليها، وأيضًا للأسواق الرئيسية في دول أخرى”، وهو ما عبّر عنه تقرير صادر عن البرلمان الأوروبي في عام 2017: “يبدو أن مصر تمتلك مفتاح مستقبل غاز شرق المتوسط”.

4- تزايد الطلب الأوروبي: يتجه العالم حاليًّا للاعتماد على مصادر طاقة أكثر أمنًا وأقل تلوثًا، لذا فإن الغاز الطبيعي يصبح أكثر جاذبية من النفط، علاوة على ذلك فإن حقول الغاز الطبيعي المكتشفة في شرق البحر المتوسط تمثل فرصة استراتيجية لأوروبا، خاصة وأن مخزون شمال المتوسط في تراجع، كما أن اعتماد أوروبا بشكل كبير على الغاز الروسي الذي أصبح يعتمد كأداة ضغط يمثل تهديدًا لأمن الطاقة الأوروبي.

5- الأزمات الاقتصادية: تعاني أغلب دول منطقة شرق المتوسط حاليًّا من أزمات اقتصادية، وعلى رأسها ارتفاع نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي، كما تعاني تركيا وقبرص من تناقص إيردات النقد الأجنبي، أما إسرائيل فتعاني من نقص في موارد الطاقة والغذاء والمياه، ما يجعلها مضطرة دائمًا للاعتماد على جيرانها في تأمين احتياجاتها في بيئة تعج بالنزاعات.

وتمثل احتياطيات الغاز الطبيعي في المناطق الاقتصادية لمياه هذه الدول أداة لتغطية الطلب المحلي من الطاقة، بالإضافة إلى أنها مصدر ضخم للإيردات العامة، وتدفقات النقد الأجنبي، ناهيك عن دورها في جذب الاستثمار الأجنبي المباشر، وخلق وظائف جديدة. وعليه فإن هذه الثروة من حقول الغاز يمكن الاعتماد عليها لحل الأزمات الاقتصادية بعض الشيء، والإسراع في عملية التنمية للدول المعنية.

سيناريوهات التصعيد والتسوية:

تتعدد احتمالات تطور صراعات الغاز في منطقة شرق المتوسط، فالتصعيد الراهن بين الدول المطلة على المتوسط لا يعني وجود احتمالات قائمة لتسوية الخلافات، وفي هذا الصدد تتمثل أهم سيناريوهات تطور صراعات الغاز في شرق المتوسط فيما يلي:

1- تشكل تحالفات جديدة: قد تسعى تركيا لإنشاء تحالفات جديدة تضم الأطراف التي لم تنخرط في أي تحالفات واضحة حتى الآن مثل لبنان وسوريا والسلطة الفلسطينية لتحقيق هدفين، الأول هو الحصول على حصة من الغاز تغطي الطلب المحلي لها على الأقل، والثاني للتعاون مع هذه الدول لإنشاء خطوط غاز تمر إلى السوق العالمي. فلبنان وإن بدأت في الاستكشاف إلا أنها لم تدخل في أي تحالف بعد يؤمّن طريقًا لتصدير إنتاجها المستقبلي، أما سوريا فقد منع مناخها المضطرب الشركات من الاستكشاف بها.

ويتوقع أن يتم اكتشاف كميات كبيرة من الغاز في المياه السورية، ويشير العديد من المحللين إلى أن انخراط تركيا في الصراع السوري قد زاد مؤخرًا رغبة لتأمين مصالحها، لاسيما ما يتعلق بالغاز عند الوصول إلى حل سياسي للصراع، بينما تمتلك السلطة الفلسطينية حق استغلال حقول الغاز الموجودة بالقرب من قطاع غزة، إلا أن ظروف الاحتلال والانقسام الفلسطيني تحول دون المطالبة به.

2- نشوب اشتباكات محدودة: قد تنشب اشتباكات عسكرية محدودة في هذه المنطقة، فعلى الرغم من قيام تركيا بالتلويح باستخدام قوة عسكرية، إلا أن قبرص صرحت بأنها لا ترغب في الدخول في مواجهات عسكرية، كما أن بعض التحليلات ترى أن إسرائيل لا ترغب في تحمل تكلفة خوض حرب جديدة في لبنان خاصة في ظل تعقد الأوضاع في قطاع غزة والضفة الغربية.

3- نجاح الوساطات الدولية: يتلخص السيناريو الثالث في الوصول لاتفاق نهائي بوساطة دولية، حيث إن ثروة الغاز القابعة تحت شرق المتوسط لها أهميتها الكبرى في تغطية احتياجات السوق العالمي للطاقة، وعليه، فإن قوى دولية ستتحرك لتأمين إنتاجها، وبالفعل بدأت الولايات المتحدة في ممارسة دور الوسيط بين لبنان وإسرائيل، كما أعلن الاتحاد الأوروبي تأييده للموقف القبرصي واليوناني في الخلاف مع تركيا.

المصدر: موقع المستقبل والدراسات المتقدمة

عن ثورة تونس

شاهد أيضاً

صحفي إسرائيلي يفجر مفاجأة: طيّار إماراتي شارك في قصف غزة

كشف صحفيّ إسرائيليّ، اليوم الخميس، معلومة خطيرة حول مشاركة طيّار إماراتي طائرات الاحتلال في شن …